ابن عربي

414

مجموعه رسائل ابن عربي

كحالهم في الدنيا تحقيقا : لقوله تعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ . ولكن الحكم في تلك الدار للأبصار الحقيقة ، المستفادة من نور صفاته بواسطة استجابة القلب لآياته ، وتوجهها بنورها إلى عالم الغيب ، وقلب الكافر في الدنيا كان خاليا من نور التوحيد ، فكان بصره لا يرجع إلى قلبه ، لأنه لا مدد له إلّا من نور حسه ، وهو أعمى عن نور آيات التوحيد ، لا جرم انه يحشر يوم القيامة أعمى كما كان في الدنيا لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ فلذلك إذا قال : لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها أي لا بصر في هذه الدار إلّا من نور صفاتي المستفاد من الاستجابة لآياتي وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ فإذا صح لك أن السمع الحقيقي ، والبصر الحقيقي : عبارة عن سمع القلب وبصره ، وأن الجوارح ، وهي : العين والأذن ، تحتاج إليه ، وهو غني عنها ، أمكنك حينئذ أن تفهم إثبات السمع والبصر للّه سبحانه ، وكذا بقية الإدراك ، مع استغنائه في ذلك عن الجوارح ، وتعاليه عنها . وأما نسبة العين إليه : فهي اسم لآياته المبصرة ، التي بها ينظر سبحانه للمؤمين ، وبها ينظرون إليه ، قال تعالى : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً « * » فنسب البصر للآيات على سبيل المجاز تحقيقا ، لأنها المرادة بالعين المنسوبة إليه ، وقال تعالى : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها « 1 » وعلى هذا يتنزل قوله تعالى : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا « 2 » أي بآياتنا تنظر بها إلينا ، وننظر بها إليك ، ويؤيد أن المراد هنا يالأعين الآيات : كونه علل بها الصبر لحكم ربه ، وعلله بآيات القرآن صريحا في قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ « 3 » . قال تعالى في سفينة نوح : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا أي بآياتنا وعنايتنا ، بدليل قوله تعالى : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها « 4 » وقال تعالى في موسى ( ع ) : وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي على حكم آيتي التي أوحيتها إلى أمك : أَنْ

--> ( * ) سورة النمل ؛ الآية : 13 . ( 1 ) سورة الأنعام ؛ الآية : 104 . ( 2 ) سورة الطور ؛ الآية : 48 . ( 3 ) سورة الإنسان ؛ الآيتان : 23 و 24 . ( 4 ) سورة هود ؛ الآية : 41 .